حي القيمرية

حي القيمرية.. الهند الصغرى روابط اجتماعية وثيقة وشعور بالحب في كل المناسبات ولكل الانتماءات

يعد حي القيمرية من أهم أحياء مدينة دمشق داخل السور وأوسعها، فهو يشكل منطقة متوسطة بين أحياء مدينة دمشق، ومن ذلك: حي الخراب وحي الجورة، وباب توما، وبذلك يصل هذا الحي بين باب توما وباب السلام، ومنطقة العمارة والجامع الأموي.

فالحي والحال هذه يمتد من شرقي المسجد الأموي عند باب جيرون، أو باب الساعات للأموي غرباً إلى حي الجورة الذي يفصله عن حي باب توما غرباً وشرقاً، ويفصل هذا الحي عن الشارع المستقيم (امتداد سوق مدحت باشا، حي الخراب جنوباً).
تسمية الحي

تعود تسمية الحي بالقيمرية إلى مدرسة أقامها الأمير ناصر الدين القيمري، أحد قواد الناصر الأيوبي، وقد عرفت هذه المدرسة بالمدرسة القيمرية الجوانية الكبرى.
فأصبح اسم الحي: القيمرية، وقد كانت تعرف باسم: سوق الحريميين، كما أطلق على الحي لقب الهند الصغرى في القرن التاسع عشر، لما كان عليه حي القيمرية، من طرائف الصناعة الفاخرة، وما اشتهر به الحي من أصناف النسيج، مما كان له دور في ازدهار مدينة دمشق.

امتداد حي القيمرية
يخترق الحي شارع رئيسي يمتد من الغرب عند باب جيرون للمسجد الأموي: إلى الشرق عند حي الجورة، وهذا الشارع يتقاطع مع تفرعات ضيقة وحارات أضيق، تتقاطع مع دخلات أضيق وأضيق بمساكن تتراكب وتتداخل بل تتعانق.

يشكل هذا الشارع العمود الفقري لحي القيمرية، فهو مركز الحي، وهمزة الوصل بين أحياء المدينة الشرقية والشمالية والغربية، وبين الأسواق التجارية غربي الجامع الأموي.

ونظراً لقرب حي القيمرية من الجامع الأموي، فقد سكنت الحي أسر دمشقية عريقة كآل الخطيب والتغلبي والسباعي والعيطة.

دور حيّ القيمرية
تلاءمت دور الحي مع ما تقدمه البيئة للمسكن من مواد، كما تلائم نمط البناء وهندسته، فكان بناء المسكن من المواد المتوافرة من أخشاب وحجارة، فضلاً عن التراب الذي يصار إلى إعداده على شكل قطع يطلق عليها اسم اللبن.

ويلاحظ أن مساكن الأسر الميسورة، تتطبع بالطابع الدمشقي من حيث انعدام المظهر الخارجي اللافت للنظر، أو المترف، وذلك حتى لا يستدعي الانتباه.

وقد يعود ذلك إلى عدم الرغبة في التظاهر بالثروة، خوفاً من التعديات التي كانت تنتاب دمشق، في ظل عدم توافر الأمن والأمان، يوم كان يطلق على الدولة العثمانية، التي كانت تحكم سورية، لقب الرجل المريض الذي لا دواء له إلا الموت.

على حين كان القسم الداخلي من البيت (الجواني) على جانب كبير من الرفاه والتزيين، أكان ذلك على مداخل الغرف بالطابق الأرضي أم بكسوة جدران هذه الغرف، وكذلك السقوف، ومن هذه الدور: دار الخطيب التي تحولت إلى مدرسة ثانوية، بعد أن تخلى سكانها عنها.

طوابق الدار في حي القيمرية
غالباً ما تكون هذه الدور من طابقين، بكل منهما عدد من الغرف، وكانت غرف بالطابق الأرضي، ما يطلق عليه اسم: المخدع والمربع والقاعة، كما كان بالجانب الشمالي من الدار ما يعرف بالليوان (الإيوان) والغرفتان اللتان على جانبي الليوان اليمنى (الغربية) واليسرى (الشرقية)، ويتوسط هذا الطابق باحة (أرض ديار تتوسطها بركة ماء)، وهذه الباحة بمنزلة متنزه للأسرة بما تحويه من نباتات الزينة المنزلية، فضلاً عن الورد، والياسمين الأبيض البلدي والياسمين الأصفر العراتلي، وغراس الشمشير، وأشجار الحمضيات من ليمون ونانرج (زفار وكباد) وشجرة العنب التي تتعرش لتصل إلى سطح الدار.
ولابد من الإشارة إلى أن غرف الطابق الأرضي كانت لسكن فصل الصيف فيكون فصل الشتاء لسكن غرف الطابق العلوي، ومن هذه الغرف بالطابق العلوي ما يطلق عليه: اسم الصالية والفرنكة والفصل وكذلك الأوضة والنصفية التي فوق المطبخ.

كان تعدد غرف هذه الدور بحي القيمرية تلبية لتوثيق روابط العائلة، كانت تتكون من الجد والأب والأولاد والأحفاد وزوجاتهم الذين كان يتوجب عليها العيش في هذه الدار، وقد نجد في بعض الدور غرفة علوية فوق الطابق العلوي باسم الطيارة، تستخدم عادة لنشر الغسيل بالأيام الماطرة.

السكان بحي القيمرية
سكان حي القيمرية على روابط اجتماعية وثيقة، شأنهم ذلك شأن سكان مدينة دمشق، فهم على روابط وثيقة تقوم على الود والاحترام المتبادل، وكل واحد يعرف من يجاوره، ويتبادل معه الزيارات ويشعر بشعور كل واحد منهم في جميع المناسبات أكان ذلك بالأفراح أم الأتراح. وقد انعكس ذلك على العلاقة بين أبناء الحي والأحياء المجاورة في إطار من الحب والتحاب.

وقد نجم عن الأخذ بمعطيات الحياة المعاصرة، وهذه سنّة الحياة، تبدل بالروابط التي كانت تجمع بين أبناء الأسرة، ورافق ذلك هجرة العديد من أبناء الحي إلى المناطق السكنية الحديثة بدمشق، وقدوم سكان جدد من أحياء مدينة دمشق المجاورة، ومن أبناء ريف دمشق، ونزوع الشباب من أبناء الأسرة، إلى بناء أسرة خاصة بكل منهم، على جانب من الاستقلالية عن الأسرة الأم.

وفي جميع الأحوال، فقد رافق ذلك تمازج الطباع والعادات والتقاليد بين سكان الحي الأصليين والسكان الجدد.

أهم مناطق حي القيمرية

النوفرة
تشكل محلة النوفرة، الجانب الغربي من حي القيمرية، وهي عند باب جيرون من الجامع الأموي، وبين النوفرة والجامع الأموي درج عريض، وتسمية هذه المحلة بالنوفرة تعود إلى وجود نوفرة تستمد مياهها من نهر بانياس أحد فروع نهر بردى وتصب مياه هذه النوفرة في بحرة مستديرة وسط الساحة، وسبب تدفق الماء على شكل نوفرة، إنما هو كون أرض المحلة أقل ارتفاعاً من منسوب مياه نهر بانياس ومن معالم محلة النوفرة هذه، المقهى المعروف باسم مقهى النوفرة. وقد اشتهر هذا المقهى بالحكواتي الذي كان يقدم لرواد المقهى السير الشعبية كسيرة عنترة، والزير سالم، وسيف بن ذي يزن، وكان لكل سيرة من هذه السير رواد ومحبون يتقاطرون إلى المقهى من أنحاء متعددة بدمشق للاستماع إلى السيرة المفضلة من الحكواتي مساء كل يوم.

وبمقابل هذا المقهى كان الحمام المسمى باسم حمام النوفرة، وكان يطلق عليه اسم حمام درب العجم الكبير، وكان لهذا الحمام أهمية كبيرة لقربه من الجامع الأموي شأنه في ذلك شأن أغلب حمامات دمشق التي تقوم على مقربة من المساجد بدمشق.

وقد حدثني أحد العاملين بالحمام في مطلع العقد الخامس من القرن العشرين، أن الحمام يرتاده صباح كل يوم ثلاث وارديات (دفعات) من الراغبين بالاستحمام.

الدفعة الأولى من المؤذنين لإسقاط الجنابة، قبل المباشرة بالمراسلة من مآذن مساجد مدينة دمشق قبل أذان الفجر والدفعة الثانية لراغبي أداء صلاة الفجر حاضرة مع الإمام بالمسجد الأموي، والدفعة الثالثة، قبيل شروق الشمس، لمن يريد ألا تفوته صلاة الصبح بميقاتها.. ذلك أن لهذا الحمام عدانين من المياه، يمدان من نهر بانياس، وعداناً آخر من نهر القنوات، بذلك لا تنقطع عنه المياه ليل نهار وعلى مدى الأيام.

ونجد بمحلة النوفرة هذه تفرعاً بالجهة الشمالية، يتجه هذا التفرع شمالاً إلى جهة الكلاسة بمحلة باب البريد.

التقاطع مع طريق القيمرية
يتقاطع طريق أو شارع القيمرية إلى جهة الشرق بأكثر من مكان، ومن ذلك التقاطع الذي عند نهاية محلة النوفرة من ناحية الشرق، ما يحدث تفرعاً إلى جهة الجنوب، وصولاً إلى مكتب عنبر، ثم إلى امتداد سوق مدحت باشا، وتفرعاً إلى جهة الشمال يوصل إلى محلة العمارة الجوانية مروراً بالمدرسة البدرئية، وباتجاه شارع القيمرية شرقاً، نصل إلى تقاطع آخر، يشكل تفرعاً إلى جهة الجنوب يوصل إلى حي الخراب مروراً بطريق (الكنيسة، المنكفة، وهذه المنكفة كانت تكوى بها الأقمشة وتفرعاً آخر إلى جهة الشمال عبر جادة ستي رابعة، ويقصد بها رابعة الشامية، وهي متصوفة ورثت عن أبيها مالاً أنفقته على التصوف.

وفي نهاية المطاف نصل إلى المدرسة القيمرية الكبرى التي أشرنا إليها وجامع فتحي الذي يُعد ملاذاً للهرر (القطاط) الشاردة، التي يتولاها ذوو الإحسان بالرعاية والطعام.
الوطن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s